ثقافة بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر: حتى أنت يا بورقيبة!
نشر في 18 نوفمبر 2021 (10:06)
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
هذه السانحة أوحى لي بها الحكم القضائي الجائر الصادر البارحة وبخمس سنوات سجن في مصر على المفكر أحمد ماهر بتهمة ازدراء الأديان.
ما علاقة بورقيبة بهذا الحدث؟ هي كعلاقة السيسي (ونظامه) بالمسألة الدينية وبالحكم. الإثنان يضحيان بالتنوير وحطّ شعبيهما على طريق التحديث والتقدّم من أجل ارضاء العامة وحرّاس المقدّس وارث الجهل وما الغاية من ارضاء العامة و حراس المقدس الا البقاء في السلطة وضمان ولاء الجمهور من الناس.
بورقيبة ذاك المستنير و خريج السوربون و ثمرة فلسفة التنوير و ذاك الزعيم الوطني الذي كان حلمه و شغله تحرير شعبه من الاستعمار و عتقه من الجهل والفقر كما كان لا يكلّ عن اعلانه حتى السبعينات من فترة حكمه. هذا القائد الجريء الذي انتصب منذ استقلت البلاد مصلحا و مفتيا حتى صار اماما وقدّم نفسه حتى انه يفوق الرسول محمد في ضمان مستقبل شعبه حيا و ميّتا و الذي أفتى في 1961 بأن الجهاد الأكبر هو بالعمل للخروج من التخلف و ليس هنالك ضرورة حتى لصوم رمضان و لا الحج و اهدار المال و الحج لأصحاب الرسول المدفونين في تونس يكفي المؤمنين واجبا.
بورقيبة و النخبة المستنيرة معه و التي عصّرت التعليم و قررت مواد تدريس في كل المراحل تنمّي الفكر و تغرس روح النقد عند النشأ و التمرّد على الموروث وعبادة العقل و التجرّأ على كلّ مقدّس، هذا الزعيم الوطني هو أيضا كما الرئيس السيسي حاليا، سوف يتراجع عن سياسة التحديث و العقلنة لمقاومة معارضيه من الشباب خاصة و من حاملي القيم العلمانية و المناهضين للحكم الفردي و التسلط، نعم حُوّرت البرامج التعليمية تحت غطاء التعريب و ضربت الفلسفة و كل المراجع التنويرية و فتح المجال واسعا للتيار الديني الإخواني ليبث الفكر التكفيري و أضحت كتبه و شرائط دعاته تبث و تنشر حتى في المعاهد و طبعت كتب مفكري الاخوان المسلمين و نشرت بدعم من وزارة الثقافة ...
كل ذلك للبقاء في السلطة و محاربة المعارضين و الحال أن شباب برسبكتيف و اليسار عامة و الديمقراطيون ليبراليون و اشتراكيون كانوا على نهج بورقيبة التنويري أصلا، لكن الزعيم ليس فقط خذلهم بل بعث بهم لغياهب السجون و كانت النتيجة أنّ الاسلام السياسي الذي تربى في السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي و في أحضان الحزب الدستوري ككلب حراسة، سوف ينقلب على الجميع و ها نحن في تونس حاليا نعاني من هذا السرطان التخريبي للعقل و للوطن و للحرية و للتقدم و للخير للبلاد و لأهلها.
حتى أنت يا بورقيبة ، على مكانتك وكهرم بانِ للدولة الوطنية ، كنت و من معك سببا في ما نحن فيه. سامحك الله و سيغفر لك و للنخبة التي حكمت معك وبعدك التونسيون ما قدمتوه للبلاد ،ولعلّهم يستفيقون على أن لا انقاذ لوطنهم ووضعه على سكة اللحاق بركب الحضارة كما كان يردد الزعيم الا بالعلم والعمل و الدولة العلمانية العادلة .